Prof Photo

Prof Photo

اول ما تدخل اذكر الله

"الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"

الخميس، 29 أكتوبر 2026

النادل

كنت اتأمل طاولات المقهى الراقي "كافيه" الذي أعمل به واتأمل وجوه هؤلاء الجالسين وابدأ في نسج القصص التي خلف تلك الوجوه.
فهذا الشاب دائم العبوس والتجهم ويجلس وحيدا في طاولة الزاوية الشمالية الشرقية, يتامل النافذة بحزن وتداعب أصابع يده اليمنى الدبلة التي في يده اليسرى كأنما يريد خلعها ثم يتراجع ودائما ما يحتسي قهوة سادة ولم أشك لحظة أنه يعاني مشاكل زوجية.
وتلك الفتاة التي تأتي بصفة دائمة منذ افتتاح المقهى ولا تفعل شيء الا الجلوس أمام حاسوبها المحمول وأصابعها لا تتوقف عن النقر على أزراره وإلى جوارها كوب العصير الذي تشرب منه على مهل وتخيلتها مؤلفة أو كاتبة حرة.
وهؤلاء الشباب الصغير في سن الجماعة وهم مجموعة تتكون من سبعة أفراد ثلاثة شباب وأربع بنات دائما يحملون كتب وملازم ولكن لم اراهم يفتحونها أبدا حتى في أيام الإمتحانات ولكن كانوا دائمين الهزار والضحك بصوت عالٍ حتى أن بعض الزبائن كانوا يشتكون منهم للمدير الذي يذهب إليهم ويطلب منهم بكل هدوء ورجاء قد يصل إلى حد التذلل أن يخفضوا أصواتهم وغير الأصوات كان يحدث بينهم بعض الأفعال - والتي لم أكن راضي عنها وكثيرا ما تحدثت مع المدير عنها ولكنهم زبائن دائمون ويدفعون الكثير - وأترك لخيالك أن يعرف هذه الأفعال عندما تعلم انهم لم ينقصهم الا القبلات والتي بالطبع لم يكن ليسمح بها أحد منا, ومن مظهرهم تخيلت أنهم يأخذون الأموال من أهاليهم بحجة القدوم إلى المقهى للمذاكرة ولكنهم لا يذاكرون ولا يحزنون.
بعض الزبائن مثل عابري السبيل فقط يجلس يتناول مشروبه ويدخن سجائره ثم يمضي وبعضهم شباب يأتون لمشاهدة المباريات وبعضهم شباب يأتون للمذاكرة وهؤلاء كان لهم موعد ثابت فكنت أحجز لهم زاوية شبه معزولة تساعدهم على التركيز في استذكار دروسهم.

أصبحت الحياة رتيبة ومتكررة يوميا حتى بعض مفتعلي المشاكل تعودت عليهم من كثرة التكرار ولكن هذا الوضع تغير على الأقل تغير بداخلي عندما جلست هذه الزبونة الجديدة.
لم اراها عندما جلست لكني رأيت تعبيرات وجوه زملائي الذين وقفوا مشدوهين وأنظارهم تمر من فوق كتفي فعلمت كالعادة أنها فتاة فاتنة بمقايسهم هم وهذا يحدث دائما, ثم قال لي احدهم اذهب لتأخذ طلبها أيها "الراهب" وهذا اسم السخرية الذي ينادوني به لأنني لا اشاركهم جلسات الحملقة والنميمة عن الزبونات الفاتنات.
عندما استدرت ورأيتها شعرت برعشة في جسدي فهذه لم تكن مثل هؤلاء الفاتنات المصطنعات اللاتي يعجبن زملائي ولكنها كانت جميلة بحق وكأن وجهها يشع نورا وروحها النقية تنعكس على هذا الوجه فتزيده جمالا.. على كل حال أستجمعت قواي ولملمت شتات نفسي الذي حدث في لحظة وذهبت إليها وسألتها وانا مبتسم كما تقتضي العادة ماذا تطلبين فبادلتني الابتسامة وعندها شعرت أن قلبي سقط من مكانه ولكني حاولت بكل ما أوتيت من قوة الا يظهر على مُحيَّاي ما شعرت به داخلي.
أخذت طلبها وسلمته للمسئول عن المطبخ ثم توجهت إلى حوض الماء لأغسل وجهي واستجمع شتات نفسي ثم عدت ووقفت في مكاني حتى يعد الطلب وأقدمه لها.
مرت الأيام والأسابيع وهي تتردد بصفة شبه مستمرة على مقهانا وكعادتي مع الزبائن الدائمين بدأت انسج لها قصة في خيالي فمن ملابسها وهاتفها الأيفون عرفت انها من أسرة ثرية وبالطبع تعمل في بنك أو شركة دولية ولأنها ترتدي مجموعة من الخواتم ولكن ليس بينهم دبلة علمت أنها عزباء وربما تكون "فيمينست" او عازفة عن الزواج فمثلها لو ارادت الزواج لاصطف أمامها المئات من علية القوم, ولأنها دائما ما كانت تحمل مجلة أو كتاب علمت انها على قدر من الثقافة.
بالرغم من أنني كنت مسيطر على مشاعري ولكني لم أكن أذهب لأخذ طلباتها في كل مرة ولكن أطلب من زملائي الذهاب لها. لكن عندما كانت تبتسم لي عندما تلتقي أعيننا كنت أشعر وكأني في عالم آخر.
وفي يوم عندما ذهبت لأقدم لها فنجان القهوة التركي الذي أصبح طلبها الدائم شاهدت في اصبع يدها اليمنى دبلة فشعرت وكأن سقف المقهى سقط فوقي وكأن روحي تسحب من جسدي فتركت القهوة امامها وأسرعت للحمام أغسل وجهي قبل أن تنزل دموعي والتقط أنفاسي التي تسارعت وكأني عداء في ماراثون ثم توجهت إلى مديري وطلبت منه أن ينقلني للفرع الآخر وعلى الفور وافق ورأيت نظرة شفقة في عينيه فأدركت أنه يعلم ما بداخلي.
ذهبت لها بفاتورة الحساب كي أودعها فهذه أخر مرة سأراها فيها, سألتني لماذا ستنتقل فأخبرتها أن الفرع الآخر أفضل لي وأنني أريد الانتقال له منذ مدة طويلة ولكنني كنت أكذب وربما تكون المرة الأولى في حياتي التي أكذب فيها فالفرع الآخر بعيد جدا عن منزلي وبالتالي زيادة في الجهد والوقت ومصاريف المواصلات.
يومها لم أستطيع النوم وربما لعدة أيام أخرى فكنت ألوم نفسي وأجلدها فكيف تترك مشاعري تتدفق هكذا لفتاة لا يمكن أن ترتبط بمن هو مثلي فبالرغم من أنني كنت من اوائل دفعتي في كلية الآداب ولكني لم أجد عمل حتى الان في تخصصي وبالرغم من أن والدي رحمه الله كان موظف كبير بأحدى المصالح الحكومية ولكنه لم يترك لنا إلا السمعة الحسنة وكفى بها نعمة. فلم أكن صاحب مال أو جاه ولست من هؤلاء الشباب ذوي العيون الملونة واللحى المنسقة والملامح الغربية التي تجذب الفتيات فملامحي شرقية عادية وأسرتي متوسطة ودخلي متوسط, واستمر ذلك الجلد النفسي يومين أو ثلاثة وولكن في اليوم الرابع عندما ذهبت إلى العمل في موعدي المعتاد فوجدتها جالسة في الزاوية المقابلة لباب المقهى فشعرت بمشاعر متضاربة داخلي بين السعادة لرؤيتها من جديد والحزن لقناعتي أنها لن تكون لي, ولكن على كل حال ذهبت لأرحب بها وعندما أقتربت منها بادرتني بالتحية وقالت أنها أرادت أن تجرب القهوة هنا لأن القهوة في الفرع الآخر أصبحت سيئة المذاق, فابتسمت لها وقلت بنوع من المزاح إن القهوة هنا هي الأفضل في العالم وسقطت عيني بصورة لا إرادية على الدبلة فنظرت إلى إصبعها ثم مسكتها وأداراتها لأعلى فإذا هي خاتم عادي جدا وقالت دائما ما أديره لأسفل حتى يعتقد المتطفلون أنني مخطوبة وبتلقائيتي السخيفة نظرت إلى الأيفون وحقيبتها ذات الماركة العالمية فقالت وكأنها فهمت ما أفكر فيه فقالت الأيفون تقسيط والشنطة ماركة مقلدة فبالطبع لا أستطيع شراء الأصلية براتب معيدة في بداية مهنتها بالتدريس وفي نفس الوقت علي الإهتمام بمظهري ثم ابتسمت وقالت هل ستأتيني بقهوتي فقلت لها اسمحي لي أن أدعوكي لتناول أخرى عقب انتهاء ورديتي في العمل فوجدت يد تربت على كتفي وصوت مديري يقول اجلس واعتبر ان ورديتك انتهت أغتنم الفرصة عندما تواتيك مرة ثانية فعلى هذه الأرض لا وجود لفرصة ثالثة............

الاثنين، 27 نوفمبر 2017

مملكة الهدوء - خاطرة


حياتهم صاخبة يملؤها الضجيج, موسيقى عنيفة تصم الآذان ولكن هذا لا يهم طالما أنهم يرقصون ويتقافزون على إيقاعها, هذه قواعدهم التي إذا شذذت عنها كنت متخلف retard أو معقد Nerd, ويا ويلك إذا ناقشتهم فستتوالى الاتهامات عليك والتي ربما تصل إلى متطرف أو رجعي وعلى الأقل ستكون عنيد وغير قابل للتغير.
فقط اعتصم بعقلك واخلق بداخله مملكتك الخاصة مملكة الهدوء وتعامل معهم على انهم احلام أو كوابيس,, سمها ما شئت وبعد قليل سوف تستيقظ منها.

الجمعة، 9 ديسمبر 2016

قصة نحيلة*



عالم آخر

من بعيد كان ينظر اليها بعينين جامدتان كما لو كان مخدراً وهي تقرأ رده على رسالتها الأولى والآخيرة والدموع تتلألأ في مُقلتيها "ربما لو تقابلنا في زمانٍ آخر أو في عالمٍ آخر لكنتِ أنتِ هي التي أريد, ولكن في هذا العالم في هذا الزمان أنتِ تسعين للإرتباط بشبح ضائع أو روح هائمة لا تعلم لها مستقر. وأنتِ تستحقين أفضل من ذلك".



*التسمية مقتبسة من "الشيخ العيل ل بلال فضل"

الثلاثاء، 10 مارس 2015

أشباح الماضي - خاطرة



أراهم دائما في يقظتي وأيضا في نعاسي, يحيطون بي من كل اتجاه, يطارودونني في الشوارع في أجساد آخرين فينقبض صدري لرؤياهم،  عندما يمر بي شبح ذكرى تبغضني في نفسي أغمض عيني لعلّي أحذفها بوميض جفوني لكنها تختفي مؤقتا لتنقض عليَّ في وقت لاحق...

أتمنى لو كانت ذاكرتي تتمتع بتقنية "الفورمات" لأعيدها نقية كما كانت قبل لقياهم ولكن ذاكرتي المعاندة تأبى إلا أن تعيد صور أطيافهم مرارا وتكرارا أمام عينايَ...

ويكأن الذاكرة تتناسب عكسيا مع الرغبة في النسيان, أو أن أشباحهم جاءت لتنتقم ولكن لأي شيء تنتقم, فـ"روحي" هي الأحق بالرغبة في الانتقام!!...

نعم فبالرغم من انزلاق روحي في أفخاخهم, وبالرغم من تسرب الدخان الأسود لها إلا أنها انتفضت حتى ولو متأخرة قليلا وتسعى لتطهير ما بقي فيها من عوالق سوادهم...

كم أتمنى أن تعود نقية كما كانت قبلهم وكم أتمنى أن تفارقني أشباحهم.

وللأبد.............




الخميس، 5 فبراير 2015

المزيف: قصة روائي






أشعة شمس الظهيرة المتوهجة والمتدفقة من النافذة الكبيرة المفتوحة على مصراعيها تلفح وجه "أشرف فيحاول فتح عينيه بصعوبة, ثم يعتدل جالسًا على السرير وهو يخاطب زوجته" أمل" الواقفة بجوار النافذة قائلًا:
-حرام عليكي يا شيخة عايز أنام وبعدين دي طريقة تصحيني بيها!!!
تبتسم " أمل " إبتسامة عريضة وهي تكمل فتح الستائر ثم ترد قائلة:
- حرام عليك أنت تضيع الجو الجميل والمنظر البهيج ده وتقضيها نوم, النهاردة اليوم التالت لنا هنا وأنت اليومين اللي فاتوا كنت بتصحى بعد المغرب, قوم استمتع بالجو والمناظر البديعة دي عشان الإلهام يجيلك وتبدأ روايتك الجديدة, أعتقد ان ده سبب حضورنا هنا في الأساس.
يقوم " أشرف" من على السرير ممتعض الوجه وعاقد حاجبيه ثم يتوجه الى الحمام,  وتقف "أمل" أمام النافذة تشاهد الشريط الأخضر الممتد مد البصر والذي لا يقطعه إلا قناة مائية صغيرة وبعض النخيل والأشجار الكبيرة المترامية هنا وهناك.
...............................

........................
قبل يومين فقط وصل "أشرف حماد" - الروائي الشاب الذي تصدر في وقت قصير جميع قوائم أعلى المبيعات "Bestseller" وترشح للعديد من الجوائز المحلية والعربية - وزوجته "أمل" إلى مسقط رأسه في إحدى القرى التابعة لمحافظة الشرقية بعد قضائهما إجازة شهر العسل في أوروبا.
وبعد انقطاع عن الكتابة دام لمدة ستة أشهر منذ أن تقدم لخطبة أمل مرورا بتحضيرات الزواج ثم الزفاف وشهر العسل, قرر أشرف أن يبدأ كتابة روايته الجديدة ليقوم بإهدائها إلى أمل في عيد ميلادها بعد شهرين من الآن.
خرج أشرف من الحمام ليجد صينية ضخمة عليها ما لذَّ وطاب من أطعمة الريف المصري الشهيرة, وكانت أمل لا تزال واقفة عند النافذة ثم إلتفتت الى أشرف قائلة:
- اللي يعيش طفولته في مكان زي ده ويصبح كل يوم على المشهد الجميل ده لازم يطلع مبدع.
فضحك أشرف بصوتٍ عالٍ ثم نظر إليها قائلا:
- ده على اساس انك قرأتي رواياتي كلها ومرتين تلاتة كمان.. مش يادوب رواية واحدة اللي قرأتيها وكانت بعد خطوبتنا كمان.
- - ما انت عارف يا أشرف إن قراءاتي كلها كتب وأبحاث علمية وعدد بسيط من الروايات العالمية, لكن أوعدك اني حقراهم كلهم وحعملهم مراجعات كمان... بس متبقاش تزعل لو رأيي معجبكش ههههههه.
أشرف ضاحكا بهستيريا: يا حبيبتي أنا التوب في المجال ده, أنا الروائي الأول في البلد كلها إن لم يكن في الوطن العربي كله يعني أكيد حيعجبوكي.
أمل: ماشي يا توب .. يلا نفطر عشان تبدأ تفكر في مدخل روايتك وأنا حنزل أساعد ماما تحت في تحضير الغدا.
........................
حملت أمل صينية الإفطار وخرجت من الغرفة, وتوجه اشرف إلى شنطته ثم أخرج حاسبه المحمول وقام بتشغيله وأمسك قلمه ومفكرته وبدأ في كتابة بعض الملاحظات, بعد ساعتين ونصف تقريبا دخلت أمل الغرفة فقام اشرف بتلقائية مصحوبة بتوتر بإغلاق شاشة الحاسب ونظر إليها قائلا:
- مش تخبطي قبل ما تدخلي, يا شيخة خضتيني حرام عليكي.

أمل: أخبط ليه هو انا داخلة على حد غريب.. ثم أردفت وهي تضحك وتغمز بإحدى عينيها "وبعدين اتخضيت ليه أنت كنت بتتفرج على إيه انت راجل متجوز دلوقتي".
أشرف مضطربا وبعصبية: مكنتش بتفرج على حاجة أنا كنت ..... كنت بفكر وبكتب ملاحظات بس مبحبش حد يقطع حبل أفكاري فجأة كده.
أمل: خلاص يا سيدي أنا أسفة ومتزعلش نفسك, بعد كده حخبط قبل ما أدخل, بس يلا عشان الغدا جهز والجماعة كلهم تحت ومنتظرينك عشان تتغدى معاهم.
أشرف: أنا اللي أسف, متزعليش مني ويلا بينا نتغدى.
........................
مرت بضعة أيام وظل أشرف على تلك الحال بعد الإفطار يجلس في غرفته ويفتح حاسبه المحمول ويدون ملاحظاته وكلما اقتربت منه أمل يقوم بإغلاق الحاسب بطريقة غير طبيعية, شعرت أمل ببعض الريبة وكعادة الفتيات أخذها تفكيرها الى أن زوجها يتحدث مع فتاة أخرى من خلال الإنترنت ولذلك يتوتر ويغلق الجهاز فورا كلما اقتربت منه وقررت إستكشاف الأمر دون أن يشعر.

في صباح اليوم التالي وبعد الافطار أخبرته أمل أنها ستذهب مع والدته إلى المدينة لإحضار بعض الحاجيات وسيذهب معهم أخيه الصغير ودار بينهما الحوار التالي:
أمل: أنا حسيب الموبايل في الشاحن وحاعمله صامت عشان لو حد رن ميعملكش إزعاج ويقطع حبل أفكارك زيي كده.
أشرف ضاحكا: أوكيه بس خدي موبايلي التاني معاكي عشان لو احتاجتي تكلميني ولا حاجة.
أمل: مش عايز حاجة أجيبهالك معايا؟؟, أقلام ولا مفكرة جديدة ولا أي حاجة.
أشرف: شكرا يا حبيبتي, ربنا ميحرمنيش منك أبدًا.
ثم قامت أمل بوضع هاتفها المحمول على أحد الرفوف المواجهة للمنضدة التي يجلس عليها أشرف وقامت بتوصيله بالشاحن وجعلت شاشة المحمول مواجهة للحائط ثم حملت حقيبتها وخرجت من الغرفة وقام أشرف بفتح حاسبه كالعادة وبدأ التدوين.
........................
مر الوقت دون أن يشعر به أشرف وهو منهمك على حاسبه ومفكرته ولم ينتبه لطرقة أمل للباب أو لعلها طرقته بهدوء متعمدة, دخلت أمل الغرفة ليقوم أشرف بغلق الحاسب وهو يحاول إخفاء علامات الضيق والتوتر....
أشرف: حمد لله على السلامة يا حبيبتي, رجعتم بسرعة يعني؟!!
أمل: الله يسلمك يا روحي, الطريق كان فاضي ومفيش زحمة زي عندنا, جبنا الحاجات كلها ورجعنا, ويلا انزل عشان ماما عايزاك تحت.

خرج أشرف من الغرفة وأخذت أمل هاتفها المحمول ودخلت به إلى الحمام وأغلقت على نفسها من الداخل, فتحت الهاتف لتجد تسجيل الفيديو الذي قامت بتشغيله قبل نزولها قد توقف لإمتلاء الذاكرة ولكن لعل ما تم تسجيله يكون كافيا لنفي أو تأكيد شكوكها.
أدارت الفيديو لتجد المفاجأة الغير متوقعة .. أشرف يقوم بتشغيل فيلم من الواضح من ملامح أبطاله ولغتهم أنه من جنوب شرق آسيا فتقوم بتسريع الفيديو ولكن لا جديد أشرف يشاهد الفيلم ثم يوقفه ثم يعيده وهكذا.
ضحكت أمل محدثة نفسها "دا انتي طلعتي عبيطة أوي, طب لو هو عايز يخونك بعد شهرين من الجواز كان اتجوزك ليه اصلا, وبعدين ملقاش مكان يشيت فيه مع حبيبته الوهمية غير هنا, فعلا أنا طلعت ساذجة جدًا...... بس لحظة طب ليه بيتوتر ويقفل اللاب اول ما بدخل عليه؟!!! أنا لازم أعرف الفيلم ده وراه إيه.. لازم أشوفه".
خرجت أمل من الحمام لتجد أشرف قد عاد من أسفل وجلس ينتظرها ليبشرها بالخبر السعيد....
أشرف: أمولة حبيبتي أخيرا مسكت أول الخيط للرواية وحبدأ أكتبها بعد الغدا علطول.
أمل: مبروك يا حبيبي, شفت وشي حلو عليك إزاي بس بعد اذنك محتاجة تفتحلي اللاب بتاعك عشان أشيك ع الإيميل بتاعي, مش عارفة أفتحه من على الموبايل واللاب بتاعي محتاج ويندوز.
أشرف: ماشي يا حبيبتي بس في الإنجاز عشان ننزل نتغدى, أنا حدخل أخد شاور سريع تكوني خلصتي وننزل نتغدى عشان أنا ميت من الجوع.
يدخل أشرف الى الحمام بعدما فتح حاسبه المحمول وأعطاه إلى أمل التي تجلس عليه وتقوم بالبحث عن ملفات الفيديو حتى تصل إلى الفيلم المنشود والذي اتضح أنه مسلسل كوري من حلقات متعددة, قامت أمل بنسخ حلقات المسلسل على كارت ذاكرة ثم أغلقت الحاسب وقامت تبدل ملابسها التي نسيت تبديلها منذ عودتها من الخارج.
........................
عقب الغداء صعد أشرف الى غرفته ليبدأ في كتابة روايته الجديدة بينما أخذت أمل حاسبها المحمول ونزلت لإسفل وبدأت في مشاهدة هذا المسلسل اللغز علَّها تفهم ما يحدث.
مرت الأيام والحلقات ومازال أشرف يكتب وأمل تشاهد وتفكر فلم تجد شيء غريب في المسلسل فأخذتها الشكوك إلى فكرة لم تكن تتوقعها على الاطلاق....
أمل: حبيبي مش أنا قررت أقرا رواياتك كلها في الكام يوم إللي باقيين من الاجازة.
أشرف: ياااااه يا عبد الصمد,, أخيرا حتتكرمي وتحني عليا وتقري رواياتي.
أمل: أنت عارف يا اشرف أنا مش بقرأ روايات كتير, تركيزي على الكتب والابحاث الفلسفية.
أشرف: فعلا بأمارة مجموعة دان براون وجورج أورويل وهاروكي موركامي اللي في المكتبة في البيت.
أمل: خلاص يا سيدي حتنضم ليهم أهو, حطهملي بقى ع الميموري ده عشان أقراهم ع التاب.
........................

بعد مرور 3 شهور أخرى وخروج رواية أشرف الجديدة "أسيف" إلى النور وبعد حملة دعائية كبيرة في مواقع التواصل الإجتماعي والصحف والمجلات الثقافية, قرر الناشر عمل حفلة توقيع ضخمة تليق بالروائي الفذ "أشرف حماد" وروايته الرومانسية الغير مسبوقة والتي انتظرها المعجبين والمعجبات وخصوصا المعجبات بفارغ الصبر بعدما تم تسريب العديد من المقاطع والاقتباسات منها.
أقيمت حفلة التوقيع بحضور آلاف المعجبين والصحفيين وقام أشرف باستعراض روايته وإعطاء الجمهور نبذة صغيرة عنها ثم قام بإهداء الرواية إلى زوجته وملهمته الجديدة على حد تعبيره وطلب منها أن تقدمها بنفسها للجمهور.

أخذت أمل الميكرفون وبدأت بشكر زوجها على الإهداء وشكر الجمهور العريض الذي ملأ القاعة, والذي قام بالتصفيق بحرارة وتعالى الصفير وصيحات الثناء والإعجاب, ثم قاطعتهم أمل طالبةً منهم الهدوء وقالت:
-بالمناسبة السعيدة دي أنا عاملة لكم مفاجأة وهي مفاجأة لأشرف كمان... خلال الشهور إللي فاتت أنا درست روايات أشرف كلها دراسة مستوفية ومن شهر بعد ما انتهى أشرف من كتابة "أسيف" قرأتها هي كمان باستفاضة عشان أقول رأيي فيها زي ما طلب مني.
وبغض النظر عن استخدامه المفرط للغة العامية وخصوصا المصطلحات الجديدة اللي بقت منتشرة في الاغاني والافلام شبه الوباء وكمان الايحاءات والتفاصيل الجنسية وافيهات الفيسبوك اللي مالية الرواية لكني إكتشفت إكتشاف عظيم في كتابات زوجي العزيز.
جميع روايات أشرف مسروقة من أفلام ومسلسلات أجنبية متنوعة الجنسيات باستثناء روايته الأولى واللي كانت أضعفهم من حيث القصة و.....
سادت حالة من الهرج وتعالت الهمسات في القاعة وأشرف على وجهه علامات الذهول والصدمة, وسُمِع أحد الاصوات يقول "ما القصص كلها متشابهة ودي حاجة عادية والمهم الابداع والحبكة و...." ولكن أمل قاطعته قائلةً:
-لو سمحتم سيبوني أكمل, مش تشابه افكار ومش بس الفكرة العامة, ده الخط الرئيسي للرواية مأخوذ بالكامل من المسلسل وأيضا صفات الشخصيات الرئيسية, فقط مع إضافة اللمسة المصرية من حيث الاسماء واللغة والإفيهات وبعض التعبيرات العميقة عمق وهمي عبارة عن تلاعب بالالفاظ والتشبيهات وتقدروا تشوفوا المسلسل وتقارنوه بنفسكم وكمان دي ليستة فيها أسماء الأفلام والمسلسلات التانية والنقاط اللي المؤلف العبقري قام بتغييرها وتقدروا تحملوها من على صفحتي في الفيس بوك.
واخيرا يا استاذ أشرف أنا مقدرش أعيش مع إنسان مزيف زيك, لكن الكلام ده مكانه مش هنا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
........................
غادرت أمل القاعة دون أن تلتفت لأسئلة الصحفيين أو صياح المعجبين, وانهالت عشرات الاسئلة على أشرف الذي لم يستطيع النطق, ولكن مدير دار النشر أخذ الميكروفون وتحدث الى الجمهور قائلا أن ما حدث هو نتيجة مشاكل أسرية وأن زوجة أشرف أرادت إحراجه وتشويه صورته أمام الجمهور وأن كل ما قالته عارٍ تماما من الصحة.
........................
- بعد مرور شهر واحد فقط -
أمل - في منزل والدها والذي عادت إليه بعدما انفصلت عن أشرف- تضع مجلة كانت ممسكة بها في يدها وهي تضحك بهستيريا وتقول "كنت متأكدة إن ده اللي حيحصل, لو حصل غير كده كنت شكيت إني عايشة في مجتمع آخر فيه نسبة عالية جدا من القراء بجد".
وعلى غلاف المجلة مانشيت عريض (بمناسبة نفاذ الطبعة التاسعة عشر من رواية "أسيف" يقيم الكاتب أشرف حماد بالتعاون مع دار النشر حفل توقيع كبير للطبعة العشرين ويقام الحفل في أول الشهر القادم بساقية الصاوي).
ثم قامت أمل بفتح حسابها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" وكتبت جملة من كلمتين ولكنها جملة عميقة جدًا
"مفيش أمل :)"
........................