Prof Photo

Prof Photo

اول ما تدخل اذكر الله

"الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"

الخميس، 29 أكتوبر 2026

النادل

كنت اتأمل طاولات المقهى الراقي "كافيه" الذي أعمل به واتأمل وجوه هؤلاء الجالسين وابدأ في نسج القصص التي خلف تلك الوجوه.
فهذا الشاب دائم العبوس والتجهم ويجلس وحيدا في طاولة الزاوية الشمالية الشرقية, يتامل النافذة بحزن وتداعب أصابع يده اليمنى الدبلة التي في يده اليسرى كأنما يريد خلعها ثم يتراجع ودائما ما يحتسي قهوة سادة ولم أشك لحظة أنه يعاني مشاكل زوجية.
وتلك الفتاة التي تأتي بصفة دائمة منذ افتتاح المقهى ولا تفعل شيء الا الجلوس أمام حاسوبها المحمول وأصابعها لا تتوقف عن النقر على أزراره وإلى جوارها كوب العصير الذي تشرب منه على مهل وتخيلتها مؤلفة أو كاتبة حرة.
وهؤلاء الشباب الصغير في سن الجماعة وهم مجموعة تتكون من سبعة أفراد ثلاثة شباب وأربع بنات دائما يحملون كتب وملازم ولكن لم اراهم يفتحونها أبدا حتى في أيام الإمتحانات ولكن كانوا دائمين الهزار والضحك بصوت عالٍ حتى أن بعض الزبائن كانوا يشتكون منهم للمدير الذي يذهب إليهم ويطلب منهم بكل هدوء ورجاء قد يصل إلى حد التذلل أن يخفضوا أصواتهم وغير الأصوات كان يحدث بينهم بعض الأفعال - والتي لم أكن راضي عنها وكثيرا ما تحدثت مع المدير عنها ولكنهم زبائن دائمون ويدفعون الكثير - وأترك لخيالك أن يعرف هذه الأفعال عندما تعلم انهم لم ينقصهم الا القبلات والتي بالطبع لم يكن ليسمح بها أحد منا, ومن مظهرهم تخيلت أنهم يأخذون الأموال من أهاليهم بحجة القدوم إلى المقهى للمذاكرة ولكنهم لا يذاكرون ولا يحزنون.
بعض الزبائن مثل عابري السبيل فقط يجلس يتناول مشروبه ويدخن سجائره ثم يمضي وبعضهم شباب يأتون لمشاهدة المباريات وبعضهم شباب يأتون للمذاكرة وهؤلاء كان لهم موعد ثابت فكنت أحجز لهم زاوية شبه معزولة تساعدهم على التركيز في استذكار دروسهم.

أصبحت الحياة رتيبة ومتكررة يوميا حتى بعض مفتعلي المشاكل تعودت عليهم من كثرة التكرار ولكن هذا الوضع تغير على الأقل تغير بداخلي عندما جلست هذه الزبونة الجديدة.
لم اراها عندما جلست لكني رأيت تعبيرات وجوه زملائي الذين وقفوا مشدوهين وأنظارهم تمر من فوق كتفي فعلمت كالعادة أنها فتاة فاتنة بمقايسهم هم وهذا يحدث دائما, ثم قال لي احدهم اذهب لتأخذ طلبها أيها "الراهب" وهذا اسم السخرية الذي ينادوني به لأنني لا اشاركهم جلسات الحملقة والنميمة عن الزبونات الفاتنات.
عندما استدرت ورأيتها شعرت برعشة في جسدي فهذه لم تكن مثل هؤلاء الفاتنات المصطنعات اللاتي يعجبن زملائي ولكنها كانت جميلة بحق وكأن وجهها يشع نورا وروحها النقية تنعكس على هذا الوجه فتزيده جمالا.. على كل حال أستجمعت قواي ولملمت شتات نفسي الذي حدث في لحظة وذهبت إليها وسألتها وانا مبتسم كما تقتضي العادة ماذا تطلبين فبادلتني الابتسامة وعندها شعرت أن قلبي سقط من مكانه ولكني حاولت بكل ما أوتيت من قوة الا يظهر على مُحيَّاي ما شعرت به داخلي.
أخذت طلبها وسلمته للمسئول عن المطبخ ثم توجهت إلى حوض الماء لأغسل وجهي واستجمع شتات نفسي ثم عدت ووقفت في مكاني حتى يعد الطلب وأقدمه لها.
مرت الأيام والأسابيع وهي تتردد بصفة شبه مستمرة على مقهانا وكعادتي مع الزبائن الدائمين بدأت انسج لها قصة في خيالي فمن ملابسها وهاتفها الأيفون عرفت انها من أسرة ثرية وبالطبع تعمل في بنك أو شركة دولية ولأنها ترتدي مجموعة من الخواتم ولكن ليس بينهم دبلة علمت أنها عزباء وربما تكون "فيمينست" او عازفة عن الزواج فمثلها لو ارادت الزواج لاصطف أمامها المئات من علية القوم, ولأنها دائما ما كانت تحمل مجلة أو كتاب علمت انها على قدر من الثقافة.
بالرغم من أنني كنت مسيطر على مشاعري ولكني لم أكن أذهب لأخذ طلباتها في كل مرة ولكن أطلب من زملائي الذهاب لها. لكن عندما كانت تبتسم لي عندما تلتقي أعيننا كنت أشعر وكأني في عالم آخر.
وفي يوم عندما ذهبت لأقدم لها فنجان القهوة التركي الذي أصبح طلبها الدائم شاهدت في اصبع يدها اليمنى دبلة فشعرت وكأن سقف المقهى سقط فوقي وكأن روحي تسحب من جسدي فتركت القهوة امامها وأسرعت للحمام أغسل وجهي قبل أن تنزل دموعي والتقط أنفاسي التي تسارعت وكأني عداء في ماراثون ثم توجهت إلى مديري وطلبت منه أن ينقلني للفرع الآخر وعلى الفور وافق ورأيت نظرة شفقة في عينيه فأدركت أنه يعلم ما بداخلي.
ذهبت لها بفاتورة الحساب كي أودعها فهذه أخر مرة سأراها فيها, سألتني لماذا ستنتقل فأخبرتها أن الفرع الآخر أفضل لي وأنني أريد الانتقال له منذ مدة طويلة ولكنني كنت أكذب وربما تكون المرة الأولى في حياتي التي أكذب فيها فالفرع الآخر بعيد جدا عن منزلي وبالتالي زيادة في الجهد والوقت ومصاريف المواصلات.
يومها لم أستطيع النوم وربما لعدة أيام أخرى فكنت ألوم نفسي وأجلدها فكيف تترك مشاعري تتدفق هكذا لفتاة لا يمكن أن ترتبط بمن هو مثلي فبالرغم من أنني كنت من اوائل دفعتي في كلية الآداب ولكني لم أجد عمل حتى الان في تخصصي وبالرغم من أن والدي رحمه الله كان موظف كبير بأحدى المصالح الحكومية ولكنه لم يترك لنا إلا السمعة الحسنة وكفى بها نعمة. فلم أكن صاحب مال أو جاه ولست من هؤلاء الشباب ذوي العيون الملونة واللحى المنسقة والملامح الغربية التي تجذب الفتيات فملامحي شرقية عادية وأسرتي متوسطة ودخلي متوسط, واستمر ذلك الجلد النفسي يومين أو ثلاثة وولكن في اليوم الرابع عندما ذهبت إلى العمل في موعدي المعتاد فوجدتها جالسة في الزاوية المقابلة لباب المقهى فشعرت بمشاعر متضاربة داخلي بين السعادة لرؤيتها من جديد والحزن لقناعتي أنها لن تكون لي, ولكن على كل حال ذهبت لأرحب بها وعندما أقتربت منها بادرتني بالتحية وقالت أنها أرادت أن تجرب القهوة هنا لأن القهوة في الفرع الآخر أصبحت سيئة المذاق, فابتسمت لها وقلت بنوع من المزاح إن القهوة هنا هي الأفضل في العالم وسقطت عيني بصورة لا إرادية على الدبلة فنظرت إلى إصبعها ثم مسكتها وأداراتها لأعلى فإذا هي خاتم عادي جدا وقالت دائما ما أديره لأسفل حتى يعتقد المتطفلون أنني مخطوبة وبتلقائيتي السخيفة نظرت إلى الأيفون وحقيبتها ذات الماركة العالمية فقالت وكأنها فهمت ما أفكر فيه فقالت الأيفون تقسيط والشنطة ماركة مقلدة فبالطبع لا أستطيع شراء الأصلية براتب معيدة في بداية مهنتها بالتدريس وفي نفس الوقت علي الإهتمام بمظهري ثم ابتسمت وقالت هل ستأتيني بقهوتي فقلت لها اسمحي لي أن أدعوكي لتناول أخرى عقب انتهاء ورديتي في العمل فوجدت يد تربت على كتفي وصوت مديري يقول اجلس واعتبر ان ورديتك انتهت أغتنم الفرصة عندما تواتيك مرة ثانية فعلى هذه الأرض لا وجود لفرصة ثالثة............

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ