Prof Photo

Prof Photo

اول ما تدخل اذكر الله

"الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"

الجمعة، 9 ديسمبر، 2016

قصة نحيلة*



عالم آخر

من بعيد كان ينظر اليها بعينين جامدتان كما لو كان مخدراً وهي تقرأ رده على رسالتها الأولى والآخيرة والدموع تتلألأ في مُقلتيها "ربما لو تقابلنا في زمانٍ آخر أو في عالمٍ آخر لكنتِ أنتِ هي التي أريد, ولكن في هذا العالم في هذا الزمان أنتِ تسعين للإرتباط بشبح ضائع أو روح هائمة لا تعلم لها مستقر. وأنتِ تستحقين أفضل من ذلك".



*التسمية مقتبسة من "الشيخ العيل ل بلال فضل"

الثلاثاء، 10 مارس، 2015

أشباح الماضي - خاطرة



أراهم دائما في يقظتي وأيضا في نعاسي, يحيطون بي من كل اتجاه, يطارودونني في الشوارع في أجساد آخرين فينقبض صدري لرؤياهم،  عندما يمر بي شبح ذكرى تبغضني في نفسي أغمض عيني لعلّي أحذفها بوميض جفوني لكنها تختفي مؤقتا لتنقض عليَّ في وقت لاحق...

أتمنى لو كانت ذاكرتي تتمتع بتقنية "الفورمات" لأعيدها نقية كما كانت قبل لقياهم ولكن ذاكرتي المعاندة تأبى إلا أن تعيد صور أطيافهم مرارا وتكرارا أمام عينايَ...

ويكأن الذاكرة تتناسب عكسيا مع الرغبة في النسيان, أو أن أشباحهم جاءت لتنتقم ولكن لأي شيء تنتقم, فـ"روحي" هي الأحق بالرغبة في الانتقام!!...

نعم فبالرغم من انزلاق روحي في أفخاخهم, وبالرغم من تسرب الدخان الأسود لها إلا أنها انتفضت حتى ولو متأخرة قليلا وتسعى لتطهير ما بقي فيها من عوالق سوادهم...

كم أتمنى أن تعود نقية كما كانت قبلهم وكم أتمنى أن تفارقني أشباحهم.

وللأبد.............




الخميس، 5 فبراير، 2015

المزيف: قصة روائي







أشعة شمس الظهيرة المتوهجة والمتدفقة من النافذة المفتوحة تلفح وجه "أشرف" فيحاول فتح عينيه بصعوبة, ثم يعتدل جالسًا على السرير وهو يخاطب زوجته " أمل " الواقفة بجوار النافذة قائلا:
-حرام عليكي يا شيخة عايز أنام وبعدين دي طريقة تصحيني بيها!!!
تبتسم " أمل " إبتسامة عريضة وهي تكمل فتح الستائر ثم ترد قائلة:
- حرام عليك أنت تضيع الجو الجميل والمنظر البهيج ده وتقضيها نوم, النهاردة اليوم التالت لنا هنا وأنت اليومين اللي فاتوا كنت بتصحى بعد المغرب, قوم استمتع بالجو والمناظر البديعة دي عشان الإلهام يجيلك وتبدأ روايتك الجديدة, أعتقد ان ده سبب حضورنا هنا في الأساس.
يقوم " أشرف " من على السرير ممتعض الوجه وعاقد حاجبيه ثم يتوجه الى الحمام, وتقف " أمل " أمام النافذة تشاهد الشريط الأخضر الممتد مد البصر والذي لا يقطعه إلا قناة مائية صغيرة وبعض النخيل والأشجار الكبيرة المترامية هنا وهناك.

........................
قبل يومين فقط وصل " أشرف حماد " - الروائي الشاب الذي تصدر في وقت قصير جميع قوائم أعلى المبيعات "Bestseller" وترشح للعديد من الجوائز المحلية والعربية - وزوجته "أمل" إلى مسقط رأسه في إحدى القرى التابعة لمحافظة الشرقية بعد قضائهما إجازة شهر العسل في أوروبا.
وبعد انقطاع عن الكتابة دام لمدة ستة أشهر منذ أن تقدم لخطبة أمل مرورا بتحضيرات الزواج ثم الزفاف وشهر العسل, قرر أشرف أن يبدأ كتابة روايته الجديدة ليقوم بإهدائها إلى أمل في عيد ميلادها بعد شهرين من الآن.
خرج أشرف من الحمام ليجد صينية ضخمة عليها ما لذَّ وطاب من أطعمة الريف المصري الشهيرة, وكانت أمل لا تزال واقفة عند النافذة ثم إلتفتت الى أشرف قائلة:
- اللي يعيش طفولته في مكان زي ده ويصبح كل يوم على المشهد الجميل ده لازم يطلع مبدع.
فضحك أشرف بصوتٍ عالٍ ثم نظر إليها قائلا:
- ده على اساس انك قرأتي رواياتي كلها ومرتين تلاتة كمان.. مش يادوب رواية واحدة اللي قرأتيها وكانت بعد خطوبتنا كمان
- - ما انت عارف يا أشرف ان قراءاتي كلها كتب وأبحاث علمية وعدد بسيط من الروايات العالمية, لكن أوعدك اني حقراهم كلهم وحعملهم مراجعات كمان... بس متبقاش تزعل لو رأيي معجبكش ههههههه.
أشرف ضاحكا بهستيريا: يا حبيبتي أنا التوب, أنا الروائي الأول في البلد كلها إن لم يكن في الوطن العربي كله يعني أكيد حيعجبوكي.
أمل: ماشي يا ثقة .. يلا نفطر عشان تبدأ تفكر في مدخل روايتك وأنا حنزل اساعد ماما تحت في تحضير الغدا.
........................
حملت أمل صينية الإفطار وخرجت من الغرفة, وتوجه اشرف إلى شنطته ثم أخرج حاسبه المحمول وقام بتشغيله وأمسك قلمه ومفكرته وبدأ في كتابة بعض الملاحظات, بعد ساعتين ونصف تقريبا دخلت أمل الغرفة فقام اشرف بتلقائية مصحوبة بتوتر بإغلاق شاشة الحاسب ونظر إليها قائلا:
- مش تخبطي قبل ما تدخلي, يا شيخة خضتيني حرام عليكي.أ
أمل: أخبط ليه هو انا داخلة على حد غريب.. ثم أردفت وهي تضحك وتغمز بإحدى عينيها "وبعدين اتخضيت ليه أنت كنت بتتفرج على إيه نت راجل متجوز دلوقتي".
أشرف مضطربا وبعصبية: مكنتش بتفرج على حاجة أنا كنت ..... كنت بفكر وبكتب ملاحظات بس مبحبش حد يقطع حبل أفكاري فجأة كده.
أمل: خلاص يا سيدي أنا أسفة ومتزعلش نفسك, بعد كده حخبط قبل ما أدخل, بس يلا عشان الغدا جهز والجماعة كلهم تحت ومنتظرينك عشان تتغدى معاهم.
أشرف: أنا اللي أسف, متزعليش مني ويلا بينا نتغدى.
........................
مرت بضعة أيام وظل أشرف على تلك الحال بعد الإفطار يجلس في غرفته ويفتح حاسبه المحمول ويدون ملاحظاته وكلما اقتربت منه أمل يقوم بإغلاق الحاسب بطريقة غير طبيعية, شعرت أمل ببعض الريبة وكعادة الفتيات أخذها تفكيرها الى أن زوجها يتحدث مع فتاة أخرى من خلال الإنترنت ولذلك يتوتر ويغلق الجهاز فورا كلما اقتربت منه وقررت إستكشاف الأمر دون أن يشعر.

في صباح اليوم التالي وبعد الافطار أخبرته أمل أنها ستذهب مع والدته إلى المدينة لإحضار بعض الحاجيات وسيذهب معهم أخيه الصغير ودار بينهما الحوار التالي:
أمل: أنا حسيب الموبايل في الشاحن وحاعمله صامت عشان لو حد رن ميعملكش إزعاج ويقطع حبل أفكارك زيي كده.
أشرف ضاحكا: أوكيه بس خدي موبايلي التاني معاكي عشان لو احتاجتي تكلميني ولا حاجة.
أمل: مش عايز حاجة أجيبهالك معايا؟؟, أقلام ولا مفكرة جديدة ولا أي حاجة.
أشرف: شكرا يا حبيبتي, ربنا ميحرمنيش منك أبدًا.
ثم قامت أمل بوضع هاتفها المحمول على أحد الرفوف المواجهة للمنضدة التي يجلس عليها أشرف وقامت بتوصيله بالشاحن وجعلت شاشة المحمول مواجهة للحائط ثم حملت حقيبتها وخرجت من الغرفة وقام أشرف بفتح حاسبه كالعادة وبدأ التدوين.
........................
مر الوقت دون أن يشعر به أشرف وهو منهمك على حاسبه ومفكرته ولم ينتبه لطرقة أمل للباب أو لعلها طرقته بهدوء متعمدة, دخلت أمل الغرفة ليقوم أشرف بغلق الحاسب وهو يحاول إخفاء علامات الضيق والتوتر....
أشرف: حمد لله على السلامة يا حبيبتي, رجعتم بسرعة يعني؟!!
أمل: الله يسلمك يا روحي, الطريق كان فاضي ومفيش زحمة زي عندنا, جبنا الحاجات كلها ورجعنا, ويلا انزل عشان ماما عايزاك تحت.

خرج أشرف من الغرفة وأخذت أمل هاتفها المحمول ودخلت به إلى الحمام وأغلقت على نفسها من الداخل, فتحت الهاتف لتجد تسجيل الفيديو الذي قامت بتشغيله قبل نزولها قد توقف لإمتلاء الذاكرة ولكن لعل ما تم تسجيله يكون كافيا لنفي أو تأكيد شكوكها.
أدارت الفيديو لتجد المفاجأة الغير متوقعة .. أشرف يقوم بتشغيل فيلم من الواضح من ملامح أبطاله ولغتهم أنه من جنوب شرق آسيا فتقوم بتسريع الفيديو ولكن لا جديد أشرف يشاهد الفيلم ثم يوقفه ثم يعيده وهكذا.
ضحكت أمل محدثة نفسها " دا انتي طلعتي عبيطة أوي, طب لو هو عايز يخونك بعد شهرين من الجواز كان اتجوزك ليه اصلا, وبعدين ملقاش مكان يشيت فيه مع حبيبته الوهمية غير هنا, فعلا أنا طلعت ساذجة جدًا...... بس لحظة طب ليه بيتوتر ويقفل اللاب اول ما بدخل عليه؟!!! أنا لازم أعرف الفيلم ده وراه إيه.. لازم أشوفه".
خرجت أمل من الحمام لتجد أشرف قد عاد من أسفل وجلس ينتظرها ليبشرها بالخبر السعيد....
أشرف: أمولة حبيبتي أخيرا مسكت أول الخيط للرواية وحبدأ أكتبها بعد الغدا علطول.
أمل: مبروك يا حبيبي, شفت وشي حلو عليك إزاي بس بعد اذنك محتاجة تفتحلي اللاب بتاعك عشان أشيك ع الإيميل بتاعي, مش عارفة أفتحه من على الموبايل واللاب بتاعي محتاج ويندوز.
أشرف: ماشي يا حبيبتي بس في الإنجاز عشان ننزل نتغدى, أنا حدخل أخد شاور سريع تكوني خلصتي وننزل نتغدى عشان أنا ميت من الجوع.
يدخل أشرف الى الحمام بعدما فتح حاسبه المحمول وأعطاه إلى أمل التي تجلس عليه وتقوم بالبحث عن ملفات الفيديو حتى تصل إلى الفيلم المنشود والذي اتضح أنه مسلسل كوري من حلقات متعددة, قامت أمل بنسخ حلقات المسلسل على كارت ذاكرة ثم أغلقت الحاسب وقامت تبدل ملابسها التي نسيت تبديلها منذ عودتها من الخارج.
........................
عقب الغداء صعد أشرف الى غرفته ليبدأ في كتابة روايته الجديدة بينما أخذت أمل حاسبها المحمول ونزلت لإسفل وبدأت في مشاهدة هذا المسلسل اللغز علَّها تفهم ما يحدث.
مرت الأيام والحلقات ومازال أشرف يكتب وأمل تشاهد وتفكر فلم تجد شيء غريب في المسلسل فأخذتها الشكوك إلى فكرة لم تكن تتوقعها على الاطلاق....
أمل: حبيبي مش أنا قررت أقرا رواياتك كلها في الكام يوم إللي باقيين من الاجازة.
أشرف: ياااااه يا عبد الصمد,, أخيرا حتتكرمي وتحني عليا وتقري رواياتي.
أمل: أنت عارف يا اشرف أنا مش بقرأ روايات كتير, تركيزي على الكتب والابحاث الفلسفية.
أشرف: فعلا بأمارة مجموعة دان براون وجورج أورويل وهاروكي موركامي اللي في المكتبة في البيت.
أمل: خلاص يا سيدي حتنضم ليهم أهو, حطهملي بقى ع الميموري ده عشان أقراهم ع التاب.
........................

بعد مرور 3 شهور أخرى وخروج رواية أشرف الجديدة "أسيف" إلى النور وبعد حملة دعائية كبيرة في مواقع التواصل الإجتماعي والصحف والمجلات الثقافية, قرر الناشر عمل حفلة توقيع ضخمة تليق بالروائي الفذ "أشرف حماد" وروايته الرومانسية الغير مسبوقة والتي انتظرها المعجبين والمعجبات وخصوصا المعجبات بفارغ الصبر بعدما تم تسريب العديد من المقاطع والاقتباسات منها.
أقيمت حفلة التوقيع بحضور آلاف المعجبين والصحفيين وقام أشرف باستعراض روايته وإعطاء الجمهور نبذة صغيرة عنها ثم قام بإهداء الرواية إلى زوجته وملهمته الجديدة على حد تعبيره وطلب منها أن تقدمها بنفسها للجمهور.

أخذت أمل الميكرفون وبدأت بشكر زوجها على الإهداء وشكر الجمهور العريض الذي ملأ القاعة, والذي قام بالتصفيق بحرارة وتعالى الصفير وصيحات الثناء والإعجاب, ثم قاطعتهم أمل طالبةً منهم الهدوء وقالت:
-بالمناسبة السعيدة دي أنا عاملة لكم مفاجأة وهي مفاجأة لأشرف كمان... خلال الشهور إللي فاتت أنا درست روايات أشرف كلها دراسة مستوفية ومن شهر بعد ما انتهى أشرف من كتابة "أسيف" قرأتها هي كمان باستفاضة عشان أقول رأيي فيها زي ما طلب مني.
وبغض النظر عن استخدامه المفرط للغة العامية وخصوصا المصطلحات الجديدة اللي بقت منتشرة في الاغاني والافلام شبه الوباء وكمان الايحاءات والتفاصيل الجنسية وافيهات الفيسبوك اللي مالية الرواية لكني إكتشفت إكتشاف عظيم في كتابات زوجي العزيز.
جميع روايات أشرف مسروقة من أفلام ومسلسلات أجنبية متنوعة الجنسيات باستثناء روايته الأولى واللي كانت أضعفهم من حيث القصة و.....
سادت حالة من الهرج وتعالت الهمسات في القاعة وأشرف على وجهه علامات الذهول والصدمة, وسُمِع أحد الاصوات يقول "ما القصص كلها متشابهة ودي حاجة عادية والمهم الابداع والحبكة و...." ولكن أمل قاطعته قائلةً:
-لو سمحتم سيبوني أكمل, مش تشابه افكار ومش بس الفكرة العامة, ده الخط الرئيسي للرواية مأخوذ بالكامل من المسلسل وأيضا صفات الشخصيات الرئيسية, فقط مع إضافة اللمسة المصرية من حيث الاسماء واللغة والإفيهات وبعض التعبيرات العميقة عمق وهمي عبارة عن تلاعب بالالفاظ والتشبيهات وتقدروا تشوفوا المسلسل وتقارنوه بنفسكم وكمان دي ليستة فيها أسماء الأفلام والمسلسلات التانية والنقاط اللي المؤلف العبقري قام بتغييرها وتقدروا تحملوها من على صفحتي في الفيس بوك.
واخيرا يا استاذ أشرف أنا مقدرش أعيش مع إنسان مزيف زيك, لكن الكلام ده مكانه مش هنا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
........................
غادرت أمل القاعة دون أن تلتفت لأسئلة الصحفيين او همسات المعجبين, وانهالت عشرات الاسئلة على أشرف الذي لم يستطيع النطق, ولكن مدير دار النشر أخذ الميكروفون وتحدث الى الجمهور قائلا أن ما حدث هو نتيجة مشاكل أسرية وأن زوجة أشرف أرادت إحراجه وتشويه صورته أمام الجمهور وأن كل ما قالته عارٍ تماما من الصحة.
........................
- بعد مرور شهر واحد فقط -
أمل - في منزل والدها والذي عادت إليه بعدما انفصلت عن أشرف - تضع مجلة كانت ممسكة بها في يدها وهي تضحك بهستيريا وتقول "كنت متأكدة إن ده اللي حيحصل, لو حصل غير كده كنت شكيت إني عايشة في مجتمع آخر فيه نسبة عالية جدا من القراء الحقيقيين".
وعلى غلاف المجلة مانشيت عريض (بمناسبة نفاذ الطبعة التاسعة عشر من رواية "أسيف" يقيم الكاتب أشرف حماد بالتعاون مع دار النشر حفل توقيع كبير للطبعة العشرين ويقام الحفل في أول الشهر القادم بساقية الصاوي).
ثم قامت أمل بفتح حسابها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" وكتبت جملة من كلمتين ولكنها جملة عميقة جدًا:
"مفيش أمل :) "
........................

الخميس، 27 نوفمبر، 2014

متسول زاوية قائمة

القصة الثانية

عجوز, محني الظهر تماما, جذعه مع قدماه يشكلان زاوية شبه قائمة, يرتدي جلبابا داكن اللون مهترئ ومرقع, على وجهه علامات بؤس وشقاء سنين طويلة.

لم استطع محاورته مثل السيدة الأخرى ولا أدري هل خفت ان يكون له رد فعل عنيف ام خفت ان اضيع عليه بعض الصدقات ولذلك تتبعته حتى عرفت مسكنه وبدأت تحرياتي عنه دون أن يشعر.

وهذا ما توصلت إليه:
- عم سيد, رجل في الستين من عمره, أتى من الصعيد منذ ثلاثة عقود ليعمل هنا بالاسكندرية لإن حياة الفلاحة ما عادت مجدية.
ومثله مثل الالاف لم يجد عملا الا في "الفاعل" باليومية ومرت السنون وهو مازال في نفس العمل.
ولكن حدثت له حادثة مؤسفة منذ عامين حيث سقط من أعلى السقالة وبالطبع تم التعامل مع حالته بإهمال طبي أدّى إلى اصابته بعجز لن يستقيم معه عموده الفقري مرة اخرى, وبالطبع لم يكن مؤمنا عليه ولم يُصرف له إلا معاشا استثنائيا لا يتجاوز المائة جنيه وهو مبلغ زهيد لا يكفي ثمن الخبز له ولأسرته المكونة من زوجة وخمسة أبناء منهم 3 بنات في سن الزواج.
لم يجد أي عمل نظرا لحالته الجسدية, وقرع أبواب المسئولين ولم يجد شيء.

فكيف يعيش هذا الرجل وماذا يفعل وهل لنا أن نلومه لإنه متسول؟؟!! وهل من حق السادة المثاليين أن يخرجوا علينا ليقولوا لماذا لايعمل؟؟!!

"القصة خيالية مقتبسة من الواقع"

الأحد، 12 أكتوبر، 2014

متسولة أرستقراط



نلتقي يوميا بعشرات المحتاجين والمتسولين في الشوارع والميادين والمحطات .. إلخ, أعمارهم مختلفة وملامحهم أيضا مختلفة فكل شخص منهم سواء ذكر أو أنثى, كبير أو صغير خلفه قصة ما,
وسأحاول تخيلها معكم هنا في مجموعة من القصص القصيرة.

القصة الاولى

متسولة أرستقراط

سيدة في أواخر العقد السادس من عمرها, ملابسها قديمة الهيئة, باهتة الألوان, لكنها ماركات أصلية معروفة, ترتدي قبعة قديمة وكأنها تحاول أن تخفي بها وجهها لا أكثر, ومع ذلك ترى في وجهها نظرة حزن وخجل, لا تمد يدها ابدا فقط تقترب منك بهدوء وتسألك حاجتها بصوت لا تكاد تسمعه, اذا نظرت لها بسطحية قد تعتقد
أن بعقلها خلل فهيئتها لا تتناسب مع التسول أبدًا.

شاهدتها مرات عديدة فقررت أن أعرف قصتها, وفي أحد الأيام ذهبت إلى المكان الذي تمر منه وانتظرتها وعندما رأيتها طلبت منها ان نجلس على محطة الترام الموجودة على بعد أمتار من المكان الذي نقف فيه لترتاح قليلا من الشمس والحر ونرطب حلقنا بمشروب مثلج, وبخجل وأدب وافقت.

جلسنا فعلا وبعد محادثة خفيفة عن صحتها وما إلى ذلك قلت لها " ملابسك و شكلك وأخلاقك دليل على أنك من طبقة أرستقراطية اسمحي لي يا أمي اسألك ماذا حدث لك وسأحترم رغبتك إذا لم ترغبي في الاجابة".

ترقرقت دمعة في عينيها ثم قالت: "أول مرة حد يسألني السؤال ده, ححكيلك بإختصار, أنا ارملة وعندي بنت على وش جواز, جوزي الله يرحمه كان مدير مالي في شركة كبيرة قطاع عام, وأنا مكملتش دراستي بعد تانية ثانوي لإن زمان كنا بنتجوز صغيرين مش زي اليومين دول, كنا عايشين في مستوى كويس الحمد لله وفي شقة كبيرة في منطقة راقية وبنتي ابتدائي واعدادي كانت في مدرسة لغات لكن اللي حصل من عشر سنين هد الدنيا". ثم انهمرت الدموع من عينيها.

أعطيتها منديل لتمسح دموعها وقلت "لو مش عايزة تكملي أو الكلام في الموضوع ده بيضايقك بلاش".

قالت "لا يا ابني أنا محتاجة أفضفض لحد وكويس انك بتسمعني, من عشر سنين لفقوا قضية رشوة لجوزي لما أكتشف إختلاسات كبيرة من رئيس مجلس الادارة ومسئولين كبار, والمحاكمة طولت وقرايبنا قاطعونا من غير ما يستتفسروا او يتأكدوا وصرفت تحويشة العمر ع المحامين وكمان بعنا الشقة وأجرنا شقة صغيرة في منطقة شعبية ودخلت البنت مدرسة حكومي في الثانوي ومش ححكيلك اد ايه كانت بتعاني عشان تتأقلم مع الوضع الجديد, ولما اتحكم على جوزي بالسجن جتله أزمة قلبية وتعب جدا, بس أنا ميأستش وكنت واثقة من براءته ووكلت محامي تاني صغير شوية في السن وفي الشهرة عمله استئناف ولقى ثغرة تهد القضية كلها وأثناء إعادة المحاكمة جوزي جاتله أزمة قلبية تانية بس كانت قوية المرة دي ومات, وبالفلوس اللي اتبقت كملت تعليم البنت لحد ما اتخرجت من كلية تجارة إنجليزي" ثم صمتت.

أنا مزبهلًا: "وبعدين يا أمي, كملي".

هي: "ولا قبلين يا ابني زيها زي جيلكم كله مش لاقية شغل والمعاش البسيط اللي بناخده
ما أنت عارف المعاشات شكلها ايه مبيكفيش عيش حاف بعد ما بندفع الإيجار والميه والكهربا , وبعدين اتقدملها شاب جدع من جيراننا", ثم أستطردت بتنهيدة أسى "في المنطقة الشعبية أكيد وهو موظف صغير وعنده شقة وبيجهزها دلوقتي بس أنا ممعييش أجيب شوارها وحاولت أشتغل بس مبعرفش أعمل حاجة وحاولت أتعلم الخياطة معرفتش وايدي كانت حتروح, أنا عارفة ان اللي بعمله ده مش صح وبنتي لو عرفت ممكن تروح فيها هي معتقدة إني بنزل أدور على شغل, بس أعمل إيه يا ابني اعمل ايه" وانفجرت في البكاء.

لم أجد أي رد سواء مواساة أو نقد أو وعظ أو أي شيء أقوله يخفف عنها أو يكون بديل لها فقط اخذت رقم هاتفها على أمل أن أجد من يساعد في شوار ابنتها وقبل أن ينصرف كل منا في طريقه شكرتني لإنني أنصتُّ لها و جعلتها تفرغ حمل من على صدرها على حد وصفها,
ثم قالت "اول ما بنتي تتجوز حقعد في بيتي مش حخرج منه ان شالله حتى أكل عيش حاف".